بقلم :يونس فدواش
من قلب مدينة آسفي، اختار عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، أن يبعث برسائل سياسية قوية أعادت اسمه إلى واجهة النقاش العمومي، من خلال خطاب اتسم بحدة غير مألوفة في المرحلة السياسية الحالية، موجهاً انتقادات مباشرة إلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش، ومهاجماً ما اعتبره اختلالات تمس تدبير عدد من الملفات الاجتماعية والاقتصادية.
ظهور بنكيران الأخير لم يكن مجرد محطة حزبية عادية، بل بدا وكأنه محاولة لإعادة تقديم نفسه باعتباره أحد أبرز الأصوات السياسية القادرة على مخاطبة الشارع بلغة مباشرة، في وقت تعرف فيه الساحة السياسية نوعاً من الفتور وغياب الخطاب القادر على إثارة النقاش العمومي بنفس الزخم الذي كان يميز فترات سابقة.
وخلال كلمته، ركز بنكيران على ملفات حساسة مثل أسعار المحروقات، والدعم الاجتماعي، والتعليم، والحوار الاجتماعي، معتبراً أن الحكومة الحالية لم تنجح في تقديم حلول مقنعة لعدد من الإشكالات التي تمس الحياة اليومية للمواطنين، كما قدم نفسه في صورة المعارض الذي يحاول استعادة دور الرقابة السياسية داخل المشهد الوطني.
غير أن هذا الظهور، رغم ما حمله من رسائل سياسية واضحة، أعاد في المقابل إلى الواجهة ذاكرة سياسية ما تزال مرتبطة باسم بنكيران نفسه، وهي ذاكرة لا تخلو من قرارات مثيرة للجدل خلال فترة رئاسته السابقة للحكومة.
فمن بين أكثر الملفات التي ما تزال تلاحق الرجل سياسياً، يبرز إصلاح أنظمة التقاعد الذي اعتبره أنصاره قراراً شجاعاً لتفادي انهيار الصناديق، بينما رأى فيه معارضوه إجراءً حمّل الموظفين كلفة اختلالات تراكمت لسنوات دون معالجة حقيقية لجذور الأزمة.
كما لا يزال اسم بنكيران مرتبطاً لدى فئات واسعة بملف الساعة الإضافية، وهو القرار الذي ظل محل رفض شعبي مستمر، إضافة إلى الانتقادات التي وُجهت إلى حكومته بشأن طريقة التعامل مع عدد من الاحتجاجات الاجتماعية، خصوصاً في ملفات التشغيل والتعليم، والتي رأى فيها البعض آنذاك تناقضاً بين خطاب الحزب وممارسته داخل السلطة.
وعلى المستوى السياسي، ظل بنكيران شخصية استثنائية داخل الحياة الحزبية المغربية، إذ نجح لسنوات في فرض أسلوب سياسي مختلف يقوم على اللغة المباشرة، والقرب من الشارع، والقدرة على تحويل الخطاب السياسي إلى مادة للنقاش الشعبي، غير أن هذا الأسلوب نفسه كان في أحيان كثيرة سبباً في توسيع منسوب الاستقطاب داخل الساحة الوطنية.
وفي خرجة آسفي، بدا واضحاً أن بنكيران يحاول إعادة توظيف هذا الرصيد الخطابي لإحياء حضور حزبه بعد التراجع الكبير الذي عرفه في انتخابات 2021، مستفيداً من موقع المعارضة ومن حالة التذمر الاجتماعي التي خلقتها بعض الملفات الحكومية، إلا أن الرهان اليوم لا يبدو مرتبطاً فقط بقدرته على انتقاد خصومه، بل أيضاً بقدرته على إقناع الرأي العام بأنه تجاوز أخطاء تجربته السابقة.
القراءة السياسية لخطاب بنكيران الأخير تكشف أن الرجل لا يزال يحتفظ بقدرة واضحة على استقطاب الانتباه وتحريك النقاش، وهي ميزة افتقدتها الساحة الحزبية في السنوات الأخيرة، غير أن هذه العودة تصطدم بعامل أساسي يتمثل في أن جزءاً من الرأي العام لم يعد ينظر فقط إلى الخطاب، بل إلى حصيلة التجربة السابقة أيضاً.
فالمشكلة التي تواجه بنكيران اليوم ليست في قدرته على الكلام، بل في قدرة ذلك الكلام على تجاوز ذاكرة سياسية ما تزال تستحضر قرارات صعبة اتخذت في عهده، بعضها اعتُبر إصلاحاً ضرورياً، وبعضها الآخر فُهم على أنه تنازل سياسي أضعف صورة الحزب الذي قاد الحكومة لسنوات.
ومن هذا المنطلق، فإن ظهور بنكيران في آسفي يمكن اعتباره مؤشراً على محاولة استعادة المبادرة السياسية، لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالاً أكبر: هل يكفي خطاب قوي لإعادة بناء الثقة، أم أن المرحلة الجديدة تحتاج إلى ما هو أبعد من لغة المواجهة؟
ما جرى في آسفي لم يكن مجرد خطاب حزبي عابر، بل كان رسالة سياسية متعددة الأبعاد، تؤكد أن بنكيران لا يزال رقماً صعباً في المعادلة السياسية، لكن عودته إلى الواجهة ستظل مرتبطة بقدرته على إقناع المغاربة بأن خطابه الجديد لا يكرر فقط قوة حضوره القديم، بل يقدم أيضاً مراجعة حقيقية لأخطاء الماضي


















التعليقات - بنكيران من آسفي.. خطاب العودة يوقظ الجدل بين قوة المعارضة وثقل الماضي السياسي :
عذراً التعليقات مغلقة