تتواصل فصول المواجهة المحتدمة بين أصحاب البذلة السوداء والحكومة؛ إذ قررت جمعية هيئات المحامين بالمغرب تمديد الإضراب عن العمل، إثر اجتماع ماراطوني احتضنته العاصمة الرباط يوم الخميس 27 غشت. ويكرس هذا القرار حالة الشلل القضائي التي باتت تلقي بظلال ثقيلة على المتقاضين وعموم المواطنين وسير العمل داخل ردهات المحاكم.
وعقد مجلس الجمعية اجتماعا استثنائيا بنادي هيئة المحامين بالرباط، حيث انطلقت الأشغال عند الساعة العاشرة والنصف صباحا وامتدت حتى الثامنة مساء. وأعقبه اجتماع لمكتب الجمعية تواصلت مداولاته الحثيثة إلى غاية الثانية بعد منتصف الليل.
وأسفرت هذه المباحثات الطويلة عن إشعار أعلنت فيه الهيئة مواصلة التوقف عن ممارسة المهام المهنية ابتداء من يوم الجمعة 28 غشت. وأوضحت الجمعية أن مكتبها بصدد إصدار بلاغ مفصل يحدد مخرجات الاجتماع والقرارات المتخذة بدقة.
ويأتي هذا التصعيد بعد شوط أول من الاحتجاجات خاضه المحامون خلال شهري يناير وفبراير الماضيين، قبل أن يستأنفوا حراكهم بشكل مستمر منذ 15 يونيو، لتبلغ حصيلة أيام الإضراب 77 يوما منذ مطلع السنة الجارية.
ورغم اندلاع هذا النزاع أساسا حول مشروع إصلاح مهنة المحاماة، فإن تداعياته تخطت النطاق الفئوي الضيق، ليدفع المتقاضون الفاتورة الأثقل جراء استمرار هذه المعركة المفتوحة.
وتبرز المعضلة الكبرى في توالي تأجيل الجلسات الذي طال القضايا الجنائية، والمدنية، والتجارية، والاجتماعية، وقضايا الأسرة. ويتفاقم الوضع حساسية عند ارتباط الملفات بأشخاص في حالة اعتقال ينتظرون النطق بالأحكام، أو بإجراءات مستعجلة ذات أبعاد أسرية ومالية حرجة.
وأثار هذا المشهد قلق قضاة النيابة العامة، إذ وجه الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بسطات مراسلة بتاريخ 29 يوليوز، نبه فيها إلى «شبه شلل» أصاب معالجة القضايا والبت فيها بسبب الامتناع عن تقديم خدمات الدفاع للمتقاضين.
وخلف لغة الأرقام والمواعيد المؤجلة، تتوارى مآس إنسانية معقدة، حيث يواجه معتقلون تكرار تأخير محاكماتهم مرات متتالية، وتظل دعاوى التطليق معلقة في رفوف المحاكم، فيما ترتقب شركات ومقاولات البت في طلبات استعجالية ونزاعات تنطوي على مخاطر مالية فادحة.
ويمتد الضرر المباشر إلى مواطنين يقطعون مسافات شاسعة لحضور جلسات تنتهي بالتأجيل، متكبدين مصاريف تنقل إضافية، وهدرا لأيام عمل كاملة، فضلا عن تعميق معاناتهم النفسية.
وما يزيد الوضع تعقيدا أن سريان الآجال القانونية لا يتوقف تلقائيا بفعل الإضراب، حيث يستمر احتساب آجال بعض الطعون، ما يضع أصحاب الحقوق أمام مآزق قانونية حقيقية لإنجاز إجراءاتهم داخل الآجال المحددة نظاما.
وتلقي هذه الأزمة بظلالها على المحامين أنفسهم، بعدما شهدت مكاتب عديدة انحدارا حادا في المداخيل وصل حد التوقف التام، وسط استمرار استحقاق واجبات الكراء، وأجور المساعدين، ومصاريف التسيير. ودفع ذلك إلى تفعيل مساعدات استثنائية وظرفية لفائدة أصحاب البذلة السوداء والمتمرنين الذين يواجهون ضائقة مالية.
وتزامن قرار جمعية الهيئات مع صدور القانون المنظم لمهنة المحاماة في الجريدة الرسمية يوم 20 غشت، في إشارة صريحة إلى أن اعتماد النص التشريعي لم ينجح في نزع فتيل الاحتقان.
وكانت الجمعية قد أعلنت يوم 18 غشت مواصلة الإضراب وتعليق خدمات المساعدة القضائية، مشددة على خوض «معركة نضالية تصاعدية» وتفعيل شتى الأشكال الاحتجاجية.
وبذلك لم يعد النزاع محصورا في المصادقة على القانون، بل انتقل إلى ساحة التنزيل العملي والنصوص التطبيقية، موازاة مع تمسك المحامين بمطالبهم الرامية إلى مراجعة وتعديل مقتضيات مفصلية في مسار الإصلاح.



















التعليقات - تمديد إضراب المحامين بالمغرب يواصل شل حركة المحاكم وتعطيل مصالح المتقاضين :
عذراً التعليقات مغلقة