بقلم : يونس فدواش
في أعقاب فاجعة فيضانات آسفي، هبّت الجالية المغربية بفرنسا إلى جمع تبرعات مالية بنية صادقة ومعلنة: مساندة الضحايا الذين فقدوا المأوى والأمان. غير أن مسار هذه الأموال، كما تكشفه المعطيات المتداولة، يطرح أسئلة مقلقة حول الوجهة، المعايير، ودور الرقابة.
تم جمع مبلغ 70.700 درهم باسم ضحايا الفيضان. لكن توزيع هذا المبلغ لم يذهب مباشرة إلى المتضررين، بل تفرّق على جمعيات لا تربط بعضها علاقة مباشرة أو موثقة بالضحايا.
فقد خُصص 10.000 درهم لجمعية الأيادي البيضاء بدعوى اقتناء أدوية، رغم أن الجمعية نفسها كانت في شراكة معلنة مع المجمع الشريف للفوسفاط، تكفّل فيها الشريك المؤسسي بالجوانب الطبية واللوجستيكية، وهذا المعطى يفتح سؤالًا مشروعًا: لماذا تُموَّل مهمة متكفَّل بها أصلًا من تبرعات موجَّهة للضحايا؟ وهل أُخبر المتبرعون بذلك؟
كما وُجّه مبلغ 5.000 درهم لجمعية بسمة رضيع، وهي جمعية ذات عمل اجتماعي محترم، لكن دون ارتباط مباشر مُعلن بضحايا الفيضان. وتحوّل السؤال هنا من قيمة العمل الجمعوي إلى مدى احترام نية المتبرعين والغاية التي جُمعت من أجلها الأموال.
أما 20.000 درهم فقد صُرفت لجمعية تعنى بذوي الهمم، ترأسها شخصية مثيرة للجدل محليًا. وحتى في غياب أحكام قضائية، فإن توجيه المال الإنساني إلى جهات تحوم حولها شبهات، يظل مجازفة أخلاقية تُقوّض الثقة العامة.
وتوزعت مبالغ أخرى على جمعية حمد، وجمعية جود، و8.700 درهم لجمعية “لها علاقة” دون توضيح طبيعة هذه العلاقة أو سندها القانوني والإنساني.
الإشكال هنا ليس في تعدد المستفيدين، بل في غياب الشفافية والتقارير المفصلة، وفي تغيير وجهة التبرعات دون إعلان واضح أو إشراك المتبرعين.
الأخطر أن هذا الملف تزامن مع استغلال انتخابي للفاجعة. منتخبون محليون ظهروا فجأة في الواجهة، صور وتصريحات وحضور موسمي، وكأن المأساة تحولت إلى منصة ترويج، لا إلى لحظة مسؤولية. فالضحايا ليسوا مادة دعاية، والعمل الإنساني لا يُختزل في الظهور أمام الكاميرات.
وسط كل ذلك، يبرز سؤال جوهري: أين رقابة السلطة؟
هل تم تتبع مسار الأموال القادمة من الخارج؟
هل وُضعت تقارير رسمية تُبيّن مطابقة الصرف للغرض المعلن؟
وهل خضعت الجمعيات المعنية للمراقبة القبلية والبعدية كما يقتضي القانون؟
السلطة، بوصفها ضامنًا للشفافية وحاميًا لثقة المواطنين، مطالَبة بتوضيح الصورة كاملة. فغياب البيان الرسمي يوسّع دائرة الشك، ويضر بالعمل الجمعوي الجاد، ويُعيد إيذاء الضحايا معنويًا.
ما وقع في آسفي يبيّن أن الكارثة لا تكون طبيعية فقط حين يهطل المطر، بل قد تصبح إدارية وأخلاقية حين يضيع المال الإنساني بين التأويلات والغياب الرقابي.
ولا سبيل لاستعادة الثقة إلا بـكشف كامل للمسار، تقارير دقيقة، وربط المسؤولية بالمحاسبة—إنصافًا للضحايا، واحترامًا للمتبرعين، وحمايةً لقيمة التضامن الحقيقي




















التعليقات - ماهو مآل تبرعات مالية قدمتها جالية مغربية بفرنسا لضحايا فيضانات آسفي واستفادت منها جمعيات بالمدينة؟ :
عذراً التعليقات مغلقة